الفصل الأول: تعريف الموازنة العامة وكيفية تحضيرها وتنفيذها

I. تعريف الموازنة العامة وعلاقتها بالسياسات العامة

عَرَّفَت المادة 3 من قانون المحاسبة العمومية اللبناني الموازنة بأنها صك تشريعي تُقدّر فيه نفقات الدولة، ووارداتها، عن سنة مقبلة، وتُجاز بموجبه الجباية والإنفاق

وتتولى السلطة التنفيذية في لبنان مهمة إعداد الموازنة العامة. فمجلس الوزراء هو الذي يرسم السياسة المالية والاقتصادية العامة للبلاد ويحدد أولويات الإنفاق. وتترجم الموازنة بأرقام برنامج عمل الحكومة وخياراتها السياسية والاقتصادية والمالية

على الموازنة العامة أن تكون منتجة وتساهم في الإنماء الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع غير أن قانون وآلية إعداد الموازنة العامة يشتملان ضمناً على حدود لتأمين هذه المستلزمات، كما وأن الموازنة عرضة للتأثر المباشر لتدخُّل بعض المنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتفاقات الجمركية وغيرها، والتي من شأنها أن تحدد توجهات الموازنة العامة في غالب الأحيان. كما أن للظروف الخاصة التي مرّ بها لبنان من حروب وتبعاتها أثر كبير على إدارة المالية العامة وما آل إليه وضع الخزينة اللبنانية

يهدف هذا الكتيّب إلى إرشاد منظمات المجتمع المدني إلى كيفية فهم مضمون وآلية إعداد وتنفيذ الموازنة العامة وسبل التأثير المتاحة على تحديد مضمونها بما يخدم مصالح مشاريع هذه المنظمات والفئات التي تستهدفها

المرسوم رقم 14969 تاريخ 30/12/1963

II. مبادئ الموازنة العامة

1. مبدأ سنوية الموازنة

تتطابق السنة المالية للموازنة في لبنان مع السنة المدنية: فهي تبدأ عموماً في الأول من كانون الثاني وتنتهي في 31 كانون الأول

وتلغى الاعتمادات التي لم تعقد حتى 31 كانون الأول من السنة

من سلبيات مبدأ سنوية الموازنة
إن تحديد بداية السنة المالية للموازنة في الأول من كانون الثاني من العام يفرض أن تجري تقديرات الموازنة في فصل الربيع من العام السابق لعام الموازنة. إلاّ أن في هذا الوقت من السنة لا تكون قد تبينت نتائج حاصلات بعض القطاعات كالزراعة مثلاً وما لها من تأثير على المعطيات الاقتصادية وعلى السياسة الضريبية
لا تترك هذه المهلة لمجلس النواب سوى شهرين ونصف -على أبع تقدير وفي العقد العادي- لدرس وإقرار الموازنة العامة، وهي مدة قصيرة نسبيا

المادة 114 من قانون المحاسبة العمومية

الاستثناءات على مبدأ سنوية الموازنة

1. قوانين البرامج
تُعنى بهذه القوانين الأشغال والأعمال الكبرى التي يتطلب إنجازها عدة سنوات والتي لا تقبل التجزئة:كبناء المطارات، الجسور، والأنفاق، إلخ

أمثلة على قوانين البرامج في لبنان:
  • قانون برنامج لتأهيل مطار بيروت الدولي والطرق المؤدية إليه؛
  • قانون برنامج لأبنية الجامعة اللبنانية،
  • قانون برنامج لقصر العدل في

2. تدوير الاعتمادات
يعني التدوير نقل الاعتمادات أو أرصدتها  التي لم تستعمل من موازنة السنة المنتهية إلى موازنة السنة التالية، وذلك لاستعمالها للغاية ذاتها التي خصصت لها في الأصل. فهو تمديد جزئي لبعض بنود الموازنة لسنة ثانية. ويبرر هذا الإجراء تفادي الهدر في الإنفاق، بحيث لا تسعى الإدارات المعنية إلى إنفاق اعتماداتها متى شارفت سنة الموازنة على نهايتها، كي لا تخسرها.

أمثلة عن الاعتمادات الممكن تدويرها:
  • الديون المتوجبة الأداء
  • احتياطي الموازنة
  • اعتمادات الجزء الثاني، أي الاعتمادات للإنفاق على التجهيز والإنشاء،
  • الاعتمادات المحجوزة للسلفات المالية الدائمة أو الطارئة والتي

3. الموازنات الإثنا عشرية
د يتأخر مجلس النواب في إقرار موازنة السنة الجديدة، ويكون قد انتهى العمل بالموازنة السابقة بانتهاء السنة المالية للموازنة، غير أن العمل الحكومي لا ينقطع. فيتم حينها الإجازة المؤقتة بالإنفاق للحكومة – لمدة شهر أو أكثر- ريثما يصار إلى إقرار الموازنة الجديدة.
توضع الموازنات الإثني عشرية على أساس الاعتمادات الدائمة المرصدة في موازنة السنة السابقة مع الأخذ بعين الاعتبار ما أضيف إليها وما أُسقط منها من اعتمادات دائمة.
تقسم هذه الاعتمادات على 12 شهراً فتشكل موازنة كل شهرمن السنة المالية الجديدة 1/12 منها.

تتعلق القاعدة الاثنا عشرية بالنفقات فقط، وليس بالواردات.

لا تعتبر مسقطة المبالغ المنقولة من اعتمادات احتياطي الموازنة، بل يتم تدويرها للسنة اللاحقة

4. الاعتمادات الإضافية
‌أ. الاعتمادات الإضافية التي تتطلب إجازة مسبقة من مجلس النواب (الاعتمادات الت(كميلية والاستثنائية
قد يتبين خلال السنة المالية الجارية للموازنة أن الاعتمادات الأساسية الملحوظة فيها لمرفق ما لم تكن كافية، أو قد تستجد ظروف لم تكن متوقعة لدى إقرار الموازنة (كارثة طبيعية، حرب...)، فيتوجب حينها تأمين هذه الاعتمادات الإضافية. ويقر المجلس النيابي الاعتمادات اللازمة على طلب من الحكومة.

ب. بالاعتمادات الإضافية التي لا تتطلب إجازة مسبقة من مجلس النواب
يمكن للحكومة تأمين الاعتمادات الإضافية اللازمة، دون الرجوع إلى مجلس النواب في الحالات التالية

2. مبدأ وحدة الموازنة

يعني هذا المبدأ أن لا يكون للدولة سوى موازنة واحدة، تحتويها وثيقة واحدة تجمع جميع نفقاتها وجميع وارداتها.

الاستثناءات على مبدأ وحدة الموازنة

1. الموازنات الاستثنائية
تعنى هذه الموازنات بالنفقات الاستثنائية (كإعادة الإعمار ما بعد الحروب مثلاً) التي تتطلب بطبيعة الحال موارد استثنائية لتغطيتها. فتتشكل هذه الموازنات من إيرادات استثنائية، أو من القروض، أو من مأخوذات من مال الاحتياط، شرط أن تخصص لنفقات إنشائية.

الموازنات الاستثنائية مستقلة عن الموازنة العامة، وهي تحدث بقانون خاص ولا تخضع للقاعدة السنوية.

2. الموازنات المستقلة
يترتب عن تطبيق مبدأ اللامركزية تعدد موازنات الأشخاص المعنوييين العامين. ونعني بهذه الفئة البلديات والمؤسسات العامة التي تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي عن الدولة. ففي حين أن الموازنات البلدية مستقلة تماماً عن موازنة الدولة العامة، تظل موازنات المؤسسات العامة مرتبطة بهذه الأخيرة بحيث يحسب الفائض في موازنة المؤسسة العامة ضمن واردات الموازنة العامة، ويغطى العجز فيها من الموازنة العامة. تتميّز هذه الموازنات بالتالي:

• تحدد شروط تطبيق قانون المحاسبة العمومية عليها بمراسيم خاصة.
• إلا تعرض على مجلس النواب، بل تصادق عليها الحكومة.
• لا تتناسب السنة المالية لبعض المؤسسات العامة مع السنة المالية للدولة (السنة المالية للجامعة اللبنانية مثلاً).

3. الموازنات الملحقة
هي موازنات خاصة لبعض المرافق العامة التي تدار بطريقة تجارية، والتي تتمتع باستقلال مالي دونما التمتع بشخصية معنوية مستقلة عن الدولة. فتقر موازناتها وقطع حسابها مع تلك العائدة للدولة من قبل مجلس النواب، ويحسب الفائض في موازناتها ضمن واردات الموازنة العامة، ويغطى العجز فيها من الموازنة العامة.

هنالك 3 موازنات ملحقة في لبنان:

  • موازنة الاتصالات
  • موازنة مديرية اليانصيب
  • موازنة المديرية العامة للحبوب والشمندر  السكري

4. الحسابات الخصوصية في الخزينة
تتألف هذه الحسابات من المبالغ التي تدخل إلى الخزينة أو تخرج منها بصورة مؤقتة، ضمن حسابات خصوصية غير حسابات الموازنة. ذلك لتظهر حسابات الموازنة على حقيقتها دون الأرقام العابرة التي تدخل أو تخرج من الخزينة.
غير أنه في التطبيق، غالباً ما تستعمل هذه الحسابات لإخفاء الحجم الحقيقي للنفقات العامة.

من المبالغ التي تدخل بصورة مؤقتة إلى صناديق الخزينة، ثم تعاد إلى أصحابها: كفالات أمناء الصناديق أو الكفالات التي يدفعها متعهدو الأشغال العامة لضمان حسن تنفيذ الأشغال.
من الأموال التي تخرج بصورة مؤقتة من صناديق الخزينة، ثم تعاد إليها: سلفات الخزينة والقروض.

3. مبدأ شمول الموازنة

إن مبدأ شمول الموازنة قريب جداً من مبدأ وحدة الموازنة. غير أن الأول يتعلق بمضمون الموازنة، بينما الثاني يتعلق بشكلها.
فمبدأ الشمول يقضي بأن تكون النفقات مفصولة عن الواردات، وأن يظهر القسمين بكامل مبالغهما دون مقاصة بينهما أو اقتطاع منهما.
فقد جاء في المادة 51 من قانون المحاسبة العمومية:
"تقيّد الواردات المقبوضة برمتها في قسم الوارداتمن الموازنة."
يمكّن هذا المبدأ، من خلال دخول جميع الواردات في صناديق الخزينة، من معرفة الحجم الفعلي للاقتطاع الضريبي من مجموع الناتج الوطني، كما ويمكّن من معرفة حجم الانفاق العام من خلال خروج جميع النفقات من صناديق الخزينة.

مثال:
لا يجوز مثلاً لوزارة التربية والتعليم العالي باقتطاع النفقات التي تقدر أنها ستتكبدها على موظفيها من رواتب وتعويضات، وعلى أبنيتها وتجهيزاتها، من أصل الواردات المقدر أنها ستحققها من الرسوم المدرسية.

الاستثناءات على مبدأ شمول الموازنة

  1. علاقة الموازنات المستقلة والموازنات الملحقة بالموازنة العامة:
  2. اعتماد مبدأ الصوافي في قيد حاصلات بعض الرسوم:
    ويعتمد هذا الاستثناء لأسباب تقنية وعملية.
تخرج عن هذه العلاقة الموازنات المستقلة للبلديات.

أمثلة:
قيمة الطوابع المالية المباعة من قبل الباعة المجازين، بحيث يحسم هؤلاء قيمة الجعالة المستحقة لهم قبل تأدية ثمنها للخزينة.
كذلك الأمر بالنسبة لقيد حاصلات التبغ والتنباك، بحيث تحسم جعالة الباعة المجازين.

4. مبدأ الشيوع في الموازنة

يعني هذا المبدأ عدم تخصيص الواردات: أي عدم تخصيص واردات معيّنة لتغطية نفقات معيّنة.

الاستثناءات على مبدأ الشيوع

1. تخصيص بعض الواردات لنفقة معيّنة لاعتبارات عملية:
هناك عرف قديم يقضي بأن تقوم الإدارة باستيفاء بعض المبالغ للمساهمة في الانفاق على مرفق معيّن.

مثال:
تستوفي المدارس الرسمية مساهمات من أهالي التلاميذ لصناديقها لإنفاقها على الاحتياجات النثرية أو الطارئة للمدرسة. ولا تدخل هذه المبالغ في صناديق الخزينة، بل تبقى مع المدارس لإنفاقها مباشرةً على حاجاتها.
كذلك الحال مثلاً بالنسبة للصندوق الداخلي للتعليم المهني والتقني.

2. تخصيص بعض الواردات لنفقة معيّنة لاعتبارات الثقة:
يتم اللجوء إلى هذا الإجراء عندما تريد الدولة طرح سندات دين على خزينتها، وترى أن الثقة بملاءتها غير كافية لاستجلاب الاكتتابات المطلوبة، فتخصص موارد معينة لتأمين نفقات أعباء هذا الدين وتسديد أقساطه. ذلك لضمان الدين وإشاعة الثقة بملاءتها.

3. تخصيص بعض الواردات لنفقات ذات صلة بها:
وهو عندما تضاف نسب معيّنة على بعض الضرائب والرسوم لتغطية نفقات ذات صلة بموارد هذه الضرائب.

مثال:
إضافة رسوم معيّنة على المشروبات الروحية لمحاربة الإدمان.

4. تخصيص بعض الواردات لصالح البلديات:
تقطع "مديرية الخزينة والدين العام" في وزارة المالية اللبنانية سنوياً النسب التالية من المبالغ المحصلة لصالح البلديات:

10% من المبالغ المحصلة لضريبة الدخل
10% من المبالغ المحصلة لرسم الانتقال
25% من المبالغ المحصلة لضريبة الأملاك المبنية

5. تخصيص واردات المرافق ذات الموازنات الملحقة والمستقلة:
تخصص واردات المرافق والإدارات والهيئات التي تتمتع باستقلال مالي وإداري وبالشخصية المعنوية، لتغطية نفقاتها.

6. الأموال المقدمة للدولة مشروطة بوجهة إنفاق معيّنة:
نصت المادة 52 من قانون المحاسبة العمومية على ما يلي: "تُقبل بمرسوم، يتخذ في مجلس الوزراء، الأموال التي يقدمها للدولة، الأشخاص المعنويون والحقيقيون، وتقيّد في قسم الواردات من الموازنة. وإذا كانت لهذه الأموال وجهة إنفاق معيّنة، فتحت لها بالطريقة نفسها، اعتمادات بقيمتها، في قسم النفقات."

مثال:
الأموال التي تقدمها بعض الجهات لمواجهة كوارث طبيعية أو نتائج الحروب.

5. مبدأ التوازن في الموازنة

يعني التوازن في الموازنة من وجهة النظر الكلاسيكية أن يكون مجموع النفقات العامة مساوياً لمجموع الإيرادات العادية.
غير أن هذا المفهوم لا يُحترم كثيراً بحيث يمكن للدولة أن تقدم موازنة غير متوازنة، أي موازنة فيها عجز، خاصةً وأن القروض والوسائل النقدية لا تدخل في حسابات الدولة على أنها إيرادات للموازنة.
ولقد نصت المادة 16 من قانون المحاسبة العمومية على ما يلي:
" يجمع وزير المالية تقديرات النفقات، ويقابلها بتقديرات الواردات، ويضع مشروع الموازنة بعد أن يؤمن التوازن بين قسميها.
وإذا جاوزت الاعتمادات المطلوبة الواردات المقدرة، كان على وزير المالية أن يؤمن التوازن، باقتراح ما يراه ضرورياً من التدابير التالية:
  1. تخفيض النفقات.
  2. تغطية الفرق بمأخوذات من مال الاحتياط، إذا كان ذلك ممكناً
  3. إيجاد موارد جديدة."
على وزير المالية أن يبدأ بالتدبير الأول قبل اللجوء إلى الإجراءات الأخرى، وآخرها إيجاد الموارد الجديدة. ويمكن أن تتضمن هذه الموارد استحداث ضرائب ورسوم جديدة، أو زيادة معدلات الرسوم والضرائب المطبقة، أو اللجوء إلى الموارد الاستثنائية كحل أخير.

III. مما تتألف الموازنة العامة؟

تنقسم موازنة الدولة إلى:
  1. الموازنة العامة للدولة
  2. الموازنات المستقلة (موازنات المؤسسات العامة)
  3. الموازنات الملحقة (موازنة الاتصالات - موازنة مديرية   اليانصيب- موازنة المديرية العامة للحبوب والشمندرالسكري)

تتألف الموازنة العامة من قسم النفقات وقسم الواردات

1. التفقات

تقسم نفقات الموازنة العامة إلى
1- النفقات العادية أو الجارية مواد استهلاكية، مخصصات ورواتب وأجور، مساهمات، إلخ.
2- الأصول الثابتة المادية والأصول الثابتة المالية - الأراضي، الأبنية، الاستملاكات، الصيانة (للأراضي، المباني، الطرقات...)، إلخ.
- السلفات الطويلة الأمد والقروض المعقودة لصالح الغير.
3- تسديد القروض القروض الداخلية والخارجية والديون الخارجية المعقودة لصالح الخزينة.

- هذا التصنيف للنفقات هو وفق تنسيب النفقة، أي نسبتها إلى الاعتماد المخصص لها في الموازنة.
- إلى جانب هذا التقسيم، هناك تقسيم آخر، هو وفقاً للتصنيف الوظيفي للنفقات، وهو معتمد لتسهيل معرفة ما ينفق من قبل كل وزارة أو إدارة على نشاطاتها وأعمالها، وهو كالتالي:

2. الواردات

توزع واردات الموازنة العامة على:
واردات عادية
الباب الأول: الإيرادات الضريبية، ويتوزع إلى خمس فصول:
فصل 11 الضريبة على الدخل والأرباح ورؤوس الأموال
فصل 12 الضريبة على الأملاك المبنية
فصل 13 الرسوم الداخلية على السلع والخدمات
فصل 14 الرسوم على التجارة والمبادلات الدولية
فصل 15 الإيرادات الضريبية الأخرى
الباب الثاني: الإيرادات غير الضريبية، ويتوزع إلى أربع فصول:
فصل 26 الحاصلات من إدارات ومؤسسات عامة ومن أملاك الدولة الخاصة
فصل 27 الرسوم والعائدات الإدارية والمبيعات
فصل 28 الغرامات والمصادرات
فصل 29 الإيرادات غير الضريبية المختلفة
الباب الثالث: حاصلات بيع الأصول الثابتة، ويتوزع إلى فصلين:
فصل 32 حاصلات بيع الأصول الثابتة المادية
فصل 33 حاصلات بيع الأصول الثابتة المالية
الباب الرابع: الهبات، ويتوزع إلى فصلين:
فصل 44 هبات مشروطة لتوظيفات
فصل 49 الهبات الجارية
واردات استثنائية
الباب الخامس: القروض، ويتوزع إلى فصلين:
فصل 56 القروض الداخلية
فصل 57 القروض الخارجية


يقسم إذاً الباب إلى فصول، وتقسم الفصول إلى بنود، وتقسم البنود إلى فقرات، والفقرات إلى نبذات. غير أنه من النادر أن يتوسع التصنيف ليصل إلى النبذات بالنسبة للواردات إذ أنه من الصعب تقديرها مسبقاً بدرجة عالية من التفصيل.

IV. كيف تُقدّر النفقات والواردات؟

تعتبر مرحلة تقدير الواردات والنفقات من أكثر المراحل أهمية في عملية إعداد الموازنة العامة، إذ توضع في هذه المرحلة البنية الأساسية للموازنة وتتم ترجمة الخيارات السياسية والاقتصادية والمالية للحكومة كما سبق وأوضحنا. فهنالك مجموعة من العناصر الواجب أخذها بعين الاعتبار عند إجراء هذه التقديرات إذ أن الموازنة العامة على قدر تأثُّرها بالوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلد، هي في الوقت عينه عنصر أساسي في التأثير على هذا الوضع. فمن الضروري تبيان الوضع الشامل للبلاد ليصار إلى وضع تقديرات الموازنة وفقاً لتلك المعطيات.
تعطي الموازنة العامة الأولوية للنفقات على الواردات (هذه الصفة مرتبطة بالصفة التقديرية للموازنة.  فالدولة، خلافاً للأفراد، تحدد إيراداتها تبعاً لنفقاتها، لا العكس).

1. تقدير الواردات

"تقدر واردات السنة الجديدة استناداً إلى العنصرين التاليين:
  1. تحصيلات السنة الأخيرة التي أُنجز مشروع قطع حسابها.
  2. تحصيلات الأشهر المنصرمة من السنة الجديدة.

ولوزير المالية ان يعدل التقدير على أساس أوضاع يعتمدها، على أن يبرر أسبابها."

هذا ما ذُكر في النصوص، غير أن هذا النوع من التقدير يبقى مرهوناً في الواقع بتوافر المعلومات الدقيقة والاحصاءات عن التحصيلات المذكورة أعلاه، كما ومن شروط نجاحه التقيُّد بالتجرد والابتعاد عن الخلفيات السياسية، وهي أمور ما يزال يفتقدها لبنان.

2. تقدير التفقات

يُشكل تقدير النفقات بشكل دقيق مشكلة أساسية في إعداد الموازنة. فهنالك نزعة دائمة لدى مختلف الإدارات والوزارات إلى المبالغة في تقدير حاجاتها للانفاق، تقابلها محاولة لوزير المالية لضغط هذا التقدير(ذلك لتأمين التوازن في الموازنة كما سبق أن رأينا). غير أن هذه المحاولات أكثر ما تكون في الواقع لتغطية نسبة العجز في الموازنة وتمرير عاصفة الناقشات السياسية واستنفار الرأي العام والإعلام في مرحلة مناقشة الموازنة. على أن يصار لاحقاً إلى إجراء التصحيحات اللازمة على اعتمادات النفقات.

هنالك نوعان من النفقات:

النفقات الثابتة
النفقات المتغيّرة أو المتقلبة
هي النفقات التي لا تتغير من سنة إلى أخرى إلاّ ضمن حدود ضيقة، فتسهل بالتالي عملية تقديرها بالرجوع إلى نفقات السنة السابقة مع إدخال بعض التعديلات عليها حيث تدعو الحاجة. هي النفقات التي تمثل الخيارات السياسية الجديدة للحكومة. وبالرغم من قلتها، غير أنه يصعب تقدير هذه النفقات على أساس قاعدة ثابتة بسبب عدم وجود مرجعية لها في الموازنة السابقة.
أمثلة:
تحذف مثلاً النفقات الطارئة وغير القابلة للتجديد، كنفقات إجراء الانتخابات البلدية والاختيارية مثلاً أو نفقات تدفع للقيام بعمل طارئ، وتزاد النفقات اللازمة للسنة الجارية، كنفقات ترقية الموظفين أو تعيين موظفين جدد.
أمثلة:
نفقات شق الطرق أو طبابة المرضى، إلخ.


ينعكس هذا التقسيم للنفقات على تقسيم الاعتمادات العائدة لها، فتقسم هذه الأخيرة على اعتمادات محددة واعتمادات تقديرية (يرجى مراجعة الملحق رقم 2 للمزيد من المعلوات حول كيفية طلب الاعتمادات).

V. إعداد الموازنة العامة

المرحلة الأولى: إعداد الموازنة لدى الوزارات أو الإدارات المختصة

فور التصديق على مشروع الموازنة الجديدة، يصدر وزير المالية تعميماً يذّكر فيه الوزارات والإدارات المختصة بوجوب المباشرة بإعداد موازنة السنة القادمة وتسليمها لوزارة المالية ويحدد فيه التوجهات العامة لإعداد مشروع الموازنة (راجع الملحق رقم...: نموذج لتعميم وزير المالية).

قبل نهاية شهر أيار من كل سنة يضع كل وزير مشروعاً بتقديرات نفقات وزارته عن السنة التالية وفق التوجيهات المحددة في تعميم وزير المالية، ويرسله إلى وزارة المالية مرفقاً بالمستندات والإحصاءات والإيضاحات الضرورية لتبرير الاعتمادات المطلوبة.

يقتصر دور الوزارات في إعداد مشروع موازناتها على قسم النفقات منها، دون الواردات التي يتفرد بتقديرها وزير المالية، إذ أن وزارة المالية هي المحصّل الأساسي لموارد الخزينة.
غير أن بعض الوزارات تقوم بجباية بعض الواردات، فيتوجب عليها تقديم تقديراتها لتلك الواردات لوزير المالية.

في التطبيق:تبدأ الوزارات بإعداد مشاريع موازناتها في الأشهر الأولى من السنة، ليتسنى لها الوقت لإنجازها بنهاية شهر أيار:

المرحلة الثانية: توحيد الموازنات في وزارة المالية

لإعداد مشروع الموازنة هذا، تكون مديرية الموازنة ومراقبة النفقات قد قامت بتقدير الواردات المرتقب تحصيلها خلال السنة المقبلة، بالتعاون مع مديرية الواردات في وزارة المالية ومع الإدارات الأخرى التي تقوم بتحصيل الواردات، غير وزارة المالية.
وتجري مديرية الموازنة ومراقبة النفقات المقارنة بين قسمي النفقات والواردات في محاولة لتقليص التباعد بينهما وتخفيض نسبة العجز في الموازنة قدر الإمكان.

المرحلة الثالثة: مناقشة وإقرار مشروع الموازنة في مجلس الوزراء

قبل أول تشرين الثاني، يقدم وزير المالية إلى مجلس النواب "تقريراً مفصلاً عن الحالة الاقتصادية والمالية في البلاد، وعن المبادئ التي اعتدمتها الحكومة في مشروع الموازنة"، ويعرف هذا التقرير بفذلكة الموازنة(وهو يختلف عن التقرير الذي يقدمه وزير المالية لمجلس الوزراء قبل الأول من أيلول).

يتضمن مشروع الموازنة العامة، بالصيغة التي يحال بها إلى مجلس النواب، مستندين أساسيين، هما:
  • مشروع قانون الموازنة العامة، والجداول الاجمالية والتفصيلية الملحقة.
  • خطاب الموازنة أو فذلكة الموازنة.

المرحلة الرابعة: درس مشروع الموازنة وإقراره في مجلس النواب

1. مهلة درس وإقرار الموازنة

لا يجوز للحكومة أن تستعمل هذا الحق، سوى في حال كانت قد أودعت مشروع الموازنة قلم مجلس النواب قبل 15 يوماً على الأقل من بدء عقده العادي.

بالرغم من اعتماد مهل لدرس وإصدار الموازنة فإنه نادراً ما تُقر الموازنات ضمن المهل المحددة، فيمكن أن تطول المهل حتى نهاية السنة المالية أحيانا"، كما جرى في لبنان بالنسبة لموازنات الأعوام 2003 و2005 و2006.

2. دور لجنة المال والموازنة:

يحيل رئيس مجلس النواب مشروع الموازنة والتقرير المرفق معه إلى لجنة المال والموازنة، فور إيداعهما في قلم المجلس، كما ويحيله في الوقت نفسه لأعضاء اللجان الدائمة الأخرى.
  • تدعو لجنة المال والموازنة اللجان الأخرى لحضور جلسات درس الموازنة وفقاً لمجال عمل كل منها. فيشترك أعضاء هذه اللجان بالمناقشات، والاقتراحات و التصويت.
  • كما يمكن للجنة المال والموازنة أن تدعو وزير المالية لحضور جلساتها، كما يمكنها أن تطلب منه تزويدها بالمعلومات والوثائق التي تحتاج إليها في دراسة مشروع الموازنة.

يحق للجنة المال والموازنة أن تعدل في مشروع الموازنة لناحية نقل الاعتمادات أو تخفيضها مثلاً، غير أنه لا يحق لها أن تزيد الاعتمادات المقترحة.

عند انتهائها من درس مشروع الموازنة، ترفع اللجنة تقريرها، مع تعديلاتها، إلى رئاسة مجلس النواب، التي توزعه بدورها على النواب للاطلاع عليه قبل المناقشة العامة.

3. المناقشة العامة للموازنة في مجلس النواب

تجري المناقشة في المجلس النيابي على أساس المشروع الذي ورد من لجنة المال والموازنة. ويمر التصديق على الموازنة بالمراحل التالية:
أولاً: التصديق على قانون قطع حساب موازنة السنة التي أُنجزت محاسبتها، أي السنة التي تسبق السنة السابقة.
ثانياً: التصديق على موازنة النفقات ويتم هذا التصديق بنداً بنداً.
ثالثاً: التصديق على قانون الموازنة ويتم هذا التصديق مادةً مادة.
رابعاً: التصديق على موازنة الواردات ويتم هذا التصديق بنداً بنداً.

إذا أراد أحد النواب أو الوزراء إدخال أي تعديل على هذا المشروع المقدم من قبل لجنة المال والموازنة، يمكنه أن يقدم اقتراحاً خطياً بذلك.
غير أنه، وكما سبق وذكرنا، لا يحق لمجلس النواب زيادة الاعتمادات المطلوبة بدون موافقة الحكومة.

تشكل المناقشة العامة المرحلة السياسية من مراحل مناقشة الموازنة، خاصةً بعد أن درجت عادة نقل جلساتها عبر وسائل الإعلام. فغالباً ما تتطور مناقشة الموازنة إلى مناقشة سياسة الحكومة، وتقديم طلبات خاصة بمناطق النواب الانتخابية.

بعد التصديق على قانون الموازنة من قبل مجلس النواب، يصدر رئيس الجمهورية قانون الموازنة وينشره في الجريدة الرسمية.

4. ماذا ينتج عن إقرار الموازنة؟

يجيز إقرار قانون الموازنة للحكومة بالجباية والإنفاق، أي بتنفيذ الموازنة.
بالنسبة لتنفيذ الواردات بالنسبة لتنفيذ النفقات
• لإجازة تحصيل الواردات صفة تقديرية؛ فيمكن للحكومة أن تتجاوزها نقصاناً أو زيادةَ. • لا يحق للحكومة أن تتخطى صقف النفقات المحددة في قانون الموازنة.
• تكون إجازة تحصيل الواردات إجمالية عامة وغير محددة. • تكون إجازة الانفاق تفصيلية محددة (فهي تحدد على مستوى النبذة والفقرة في البند الواحد للموازنة).

تكون الإجازة بالانفاق عادةً من خلال ما يعرف "بفتح الاعتمادات" في إطار الموازنة. غير أن بعض النفقات لا تتم بهذه الطريقة (كنفقات الدين العام، ورواتب الموظفين، ومعاشات التقاعد، إلخ.).

التعديلات التي يمكن أن تطرأ على الموازنة بعد إقرارها:
في حال اتضح أن الواردات غير كافية لدى تطبيق الموازنة، يمكن: في حال اتضح أن النفقات غير كافية لدى تطبيق الموازنة، يمكن:
  1. اللجوء إلى استعمال مال الاحتياط،
    إيقاف استعمال بعض الاعتمادات المرصدة في الموازنة،
  2. إحداث موارد جديدة،
  3. الاستدانة من خلال إصدار سندات الخزينة أو بعقد القروض.
  1. اللجوء إلى احتياطي الموازنة،
  2. نقل الاعتمادات ضمن الفقرة الواحدة، أو من فقرة إلى فقرة أخرى،
  3. فتح الاعتمادات الاستثنائية أو الإضافية.

من سلبيات هذه التعديلات كونها تدرس على نحو مستقل، مما يؤثر سلباَ على توازن الموازنة وفعاليتها.

VI. تنفيذ الموازنة العامة

تقوم وزارة المالية بالدور الأساسي في تنفيذ الموازنة العامة، إن كان لناحية تحصيل الواردات أو صرف النفقات.

1. تنفيذ الواردات:

كما سبق وذكرنا، تقوم وزارة المالية بتأمين القسم الأكبر من الواردات، من خلال الضرائب والرسوم التي تحصلها. وتقوم بعض الإدارات الأخرى بتحصيل بعض الواردات أيضاً، لصالح الخزينة العامة.

أمثلة:
  • تحصل وزارة الداخلية والبلديات رسوم السير والسيارات،
  • تحصل وزارة العدل الرسوم القضائية،
  • تحصل المدارس الرسمية الرسوم المدرسية.

2. تنفيذ النفقات:

تقوم كل وزارة أو إدارة بعقد وتصفية نفقاتها الخاصة، غير أن وزارة المالية هي التي تتولى:
  • إعطاء الإذن بالإنفاق،
  • مراقبة عقد هذه النفقات،
  • إصدار حوالات دفعها،
  • دفع قيمها.

وذلك من خلال شبكة من الضوابط تهدف إلى منع النفقات غير القانونية، تفصّل كالتالي:

العملية الجهة المعنية
عقد النفقة - الوزير أو المدير العام في الوزارة المعنية
- محاسب الوزارة المعنية
- مراقب عقد النفقات في وزارة المالية
التصفية - محاسب الوزارة المعنية
الصرف - مديرية الصرفيات في وزارة المالية
الدفع - المحتسب المركزي في وزارة المالية

VII. الرقابة على تنفيذ الموازنة العامة

تمارس الرقابة على تنفيذ الموازنة العامة من قبل عدة جهات وفي مراحل مختلفة من التنفيذ:
أنواع الرقابة امراحل الرقابة سلطات الرقابة
- الرقابة على المعاملات،
- الرقابة على الأشخاص المسؤولين عن هذه المعاملات.
- رقابة مسبقة (أي تسبق المباشرة بالتنفيذ)،
- رقابة أثناء تنفيذ الموازنة،
- رقابة مؤخرة (تأتي من بعد الانتهاء من التنفيذ).
- وزارة المالية،
- التفتيش المركزي،
- ديوان المحاسبة،
- المجلس النيابي.

  • المحاسبة في مجال تنفيذ الموازنة شبه معدومة في لبنان. فلديوان المحاسبة صلاحية إجراء التدقيق المؤخر لحسابات الإدارات. غير أن هذا الأخير لا يمارس الرقابة المؤخرة إلاّ نادراً، ذلك لأن الرقابة المسبقة تستحوذ على معظم وقته. وهي في واقع الأمر تكراراً لما تقوم به وزارة المالية في هذا المجال. غير أن الكثير من المؤسسات المستقلة لا تخضع قانوناً سوى للرقابة اللاحقة (كمجلس الإنماء والإعمار والصندوق المركزي للمهجرين) مما يجعلها بمنأى عن أي رقابة بالنسبة لتنفيذ موازناتها.
  • كما وأن وضع موازنات مستقلة للمؤسسات العامة من جهة أخرى وكونها لا تقدم أي توقعات أو أدنى تخطيط في مشاريع موازناتها، يؤدي إلى الغياب في ضبط عملياتها المالية، مما حذى ببعضها إلى ترتيب عبء تسديد ديونه على الدولة من جرّاء لجوئه إلى الاستدانة بكثافة ( كما هي حال مؤسسة كهرباء لبنان مثلاً).
  • ومن جهة أخرى، لا يحظى قطع الحساب بنقاش جدي من قبل مجلس النواب، أو من قبل النقابات الاقتصادية أو المجتمع المدني.

الفصل الثاني: دور المجتمع المدني في التأثير على الموازنة العامة

I. الموازنة العامة وتأمين النمو الاقتصادي والاجتماعي في لبنان

بعد أن عرضنا لمبادئ الموازنة العامة ومحتواها وكيفية ومراحل تحضيرها وإقرارها وتنفيذها، يبقى أن نرى انعكاسات هذه العناصر على مدى تحقيق الموازنة العامة في لبنان لأهدافها المتوقعة مالياً واقتصادياً واجتماعياً، وأن نبيّن المواقع والمراحل التي يمكن لمؤسسات المجتمع المدني أن تتدخل وتؤثر فيها للإقناع بأولوياتها وإعادة تصويب عمليات توزيع الانفاق بشكل يؤمن نسبة أكبر من الفعالية والعدالة الاجتماعية. فللموازنة تأثير كبير على عدد من القطاعات كالزراعة والصحة والتربية والبيئة على سبيل المثال، وذلك من خلال طريقة توزيع النفقات.

موازنة الاعتمادات وموازنة البرامج والآداء

هنالك توجهات في معظم الدول المتقدمة لتطوير طرق إعداد وتنفيذ الموازنة وفي أساليبها ووسائلها. فلقد تمت بلورة فكرة موازنة البرامج والآداء التي تعتمد على وضع الأهداف وتحديد مسؤوليات التنفيذ التي يتم على أساسها تقييم ما تم إنجازه سنوياً من قبل مختلف الوحدات الإدارية.فلقد أ  ضافت هذه البلدان الإتجاه التخطيطي إلى الموازنة، فأصبح تبويب الموازنات الحديثة على أساس وظائف رئيسية وفرعية كالمشاريع والأنشطة، ويحدد الغرض من العمل والنشاط المعتمد وفقاً لتخطيط معيّن. يتجه تركيز هذه الموازنات إلى تحسين العمل الإداري عن طريق الربط بين تكاليف الانتاج وقياس العمل، ذلك وفقاً لمعايير محددة للآداء. فلقد أصبحت الموازنة الحديثة أداة تخطيطية تظهر بهيكلها التبويبي تحديد وتحليل الأهداف الأساسية التي تسعى الحكومة لتنفيذها.

أمّا في لبنان، فلا وجود لخطة اقتصادية طويلة الأمد تُحدد الإنفاق وفقاً لتقديراتها، ولا حتى استراتيجيات متعلقة بالقطاعات متفق عليها بين الوزراء. فلا يتعدى مخطط الانفاق العام السنة الواحدة سوى في حالة مشاريع تطوير البنى التحتية (الذي بدوره نادراً ما يخضع لتحليل موضوعي). ولا تخطيط واستشراف في الوزارات المعنية بالشأن الاجتماعي مما يؤدي إلى خدمات دون المستوى.

من المشاكل التي تعاني منها أيضاً الوازنة العامة في لبنان:
  • خدمة الدين العام.
  • الحيّز الكبير الذي تأخذه الرواتب والأجور وتعويضات موظفو القطاع العام من الموازنة العامة، مما يترك المجال ضيقاً للتصرف بالنفقات. وهنالك أيضاً مشكلة الأعداد الكبيرة من العاملين، من غير الموظفين المثبتين، التي تدخل الإدارات العامة بطريقة عشوائية.
  • مشكلة عدم شمول الموازنة لموازنات المؤسسات الحكومية المستقلة والبلديات، كما وسندات الخزينة التي تموّل عجز المؤسسات العامة، والمشاريع الاستثمارية لمجلس الإنماء والإعمار الممولة من خلال قروض ومنح خارجية.

وغالباً ما تأتي إلتزامات الحكومات في بياناتها الوزارية عمومية، لا تلزم بالتطبيق. فالتنسيق بين الوزارات للتوافق حول الموازنة ولتأمين انضباط مالي غير وارد في لبنان لعدم التضامن بين الجهات الممثلة في مجلس الوزراء. والصرف في المطارح غير المناسبة والفشل في تطبيق الانضباط المالي هذا يؤدي إلى العجز والفشل في تأمين النمو الاقتصادي والاجتماعي المنشود من قبل المواطن اللبناني الذي يشعر بأنه يدفع ثمن المشاريع غير المجدية ولايستفيد من خدمات ومساعدات الدولة بشكل فعّال.

من هنا، وبغياب استرتيجيات طويلة الأمد، تتجلى الضرورة الملّحة إلى محاولة ترتيب أولويات الانفاق بما يخدم حاجات المجتمع. وللمجتمع المدني دور كبير يمكنه القيام به في هذا المجال من خلال لفت النظر إلى الحاجات الفعلية لمختلف قطاعات المجتمع، اقتراح أولويات الانفاق في ما خصها وترشيد هذا الانفاق بحيث يصبح أكثر "ذكاءً" وإنتاجية وفعالية. فمن الممكن تحويل الموازنة إلى أداة اقتصادية واجتماعية فاعلة وإن كانت مقيّدة. وهنالك دائماً مجال واسع للتشاور غير الرسمي، فالقوى السياسية والاقتصادية تؤثر على تمرير الموازنة. ويجب أن يتوسع نطاق المشاورة ليشمل ممثلي المجتمع المدني.

فعلى الفاعلين في المجتمع المدني فهم آلية إعداد الموازنة ومضمونها لمعرفة المجالات والمراحل التي يمكنهم التأثير من خلالها بما يخدم مصلحة المجتمع.

II. المراحل الممكن التدخل من خلالها للتأثير على قرارات تحديد الموازنة العامة

1) في مرحلة إعداد الموازنات لدى الوزارات والإدارات المختصة

يمكن في هذه المرحلة الاجتماع بالوزراء المعنيين والمدراء العامين ورؤساء الوحدات المعنية في إداراتهم، وذلك منذ بداية السنة، أي لدى بدئهم بإعداد موازنات إداراتهم. ويشكل إعداد التقارير والدراسات التفصيلية حول المقترحات المتقدم بها، كما ودراسة الموازنة الجارية ومجالات إدخال التعديلات عليها، أمراً ضرورياً لإقناع الجهات المعنية بالمواضيع المقترحة. فلا يجب أن يغيب عن بالنا كون الموازنات في لبنان لا توضع بحسب البرامج وإنما وفقاً للأرقام المحددة في السنة السابقة مع بعض التعديلات عليها، إذ لا يعتمد أي تخطيط متوسط أو بعيد الأمد.

2) في مرحلة توحيد الموازنة في وزارة المالية

يمكن اقتراح الأفكار والتأثير في هذه المرحلة أيضاً من خلال الاجتماع بوزير المالية ومدير الموازنة والنفقات إذ أن موازنات الوزارات تخضع لمناقشات دقيقة مع وزارة المالية (يكون الهدف منها في غالب الأمر تخفيض نفقاتها كما سبق وذكرنا).

3) في مرحلة درس وإقرار الموازنة في مجلس الوزراء

لمجلس الوزراء السلطة الأكبر في تحديد الموازنة. ولقد رأينا ذلك في الفقرة المخصصة لمراحل إعداد الموازنة: ففي حال عدم قدرة وزير المالية حل الخلاف ما بينه وبين إحدى الوزارات، يرفع الخلاف إلى مجلس الوزراء/ وحيث أنه لا يمكن لمجلس النواب زيادة الإنفاق من دون موافقة الحكومة على ذلك/ وحيث أن الحكومة لا توافق إلاّ نادراً على بعض الزيادات الطفيفة التي غالباً ما تعود لوزارة الأشغال العامة لمشاريع تأهيل البنى التحتية في المناطق الانتخابية للنواب/ كما وحيث يمكن للحكومة حل مجلس النواب في حال رأت الهدف من وراء تأخره في إقرار الموازنة شل عمل الحكومة. فمن المفضل أن يكون قد تم عرض الاقتراحات في المرحلة الأولى المذكورة آنفاً على أكبر عدد ممكن من الوزراء الذين من الممكن أن تؤثر موازناتهم على الهدف المنشود من منظمة المجتمع المدني المعنية. فيكون بذلك الدعم للتوجه المرجو أكثر فعالية.

4) في مرحلة إقرار الموازنة في مجلس النواب

تمكّن المشاركة في نقاشات جلسات لجنة المال والموازنة (دون حق التصويت طبعاً) التأثير على وجهات النظر والخيارات – من خلال اقتراحات مبنية على دراسات وأرقام دقيقة. غير أنه لا يمكن للجنة المال والموازنة زيادة النفقات كما رأينا، غير أنه بإمكانها نقلها من فقرة إلى فقرة أخرى، أو من بند إلى آخر. كما ويمكن التدخل في هذه المرحلة لدى أحد النواب الذي يمكنه تقديم اقتراح زيادة أو إعادة توزيع النفقات بكتاب خطي يقدم لمجلس النواب، غير أنه لا يمكن زيادة النفقات إلاّ بعد موافقة مجلس الوزراء.

5) في مرحلة تنفيذ الموازنة وما بعد التنفيذ

يصعب في هذه المرحلة التأثير على إعادة توزيع النفقات إذ أن الإدارات المختصة لا تتمتع بالمرونة الكافية لنقل انفاق ما بين بند وبند بحيث يتطلب ذلك موافقة وزارة المالية.

6) في مجال الرقابة والمحاسبة

على المجتمع المدني أن يلعب دور فاعل في مجال محاسبة الحكومة على كيفية تنفيذها الموازنة العامة من خلال نشر التحاليل والدراسات العلمية الموضوعية حول هذه العملية عبر وسائل الإعلام ومن خلال رفعها إلى المراجع المختصة.

III. المجالات الممكن لمنظمات المجتمع المدني التأثير من خلالها في الموازنة العامة

تتضمن السياسة الاقتصادية والانمائية والاجتماعية للدولة عوامل كثيرة يجب أخذها بعين الاعتبار. ففي حين يعتبر المواطن أن الدولة ناشطة في هذه المجالات عندما تستثمر في مشاريع اجتماعية ملموسة كإنشاء طريق أو بناء مدرسة أو مستوصف في منطقة ريفية، علينا البحث بشكل أبعد، لدى دراستنا للفقرات والفصول والبنود والنبذات في موازنة كل وزارة، عن مجالات أخرى لتفعيل النشاط الاجتماعي والانمائي للدولة، تكون أقل مباشرة.

فالإنفاق الاجتماعي والإنمائي يشمل، بالاضافة إلى الاستثمار المباشر، مصاريف أخرى، هي: المصاريف الصرفة والاستثمار غير المباشر.

بالنسبة للإنفاق الاجتماعي

- يبقى الاستثمار الاجتماعي محدود جداً، وغالباً ما يقتصر على بناء الطرقات.
- تشتمل المصاريف الاجتماعية على مساعدات موظفي القطاع العام، مساعدات المتضررين من الحرب والمهجرين، التأمينات الصحية...
- تشتمل الاستثمارات غير المنظورة على أجور المعلمين، دعم القروض السكنية والشركات الصغرى، مجلس

فعلينا، لدى درس الموازنة وإمكانية تأثير المجتمع المدني عليها، البحث عن إمكانية التأثير على هذه الفئات الثلاث.

على منظمات المجتمع المدني النظر إلى أبواب وفقرات وبنود الإنفاق في الموازنة العامة بحسب الهدف الذي تصبو إليه والمواضيع التي تعنى بها، من:

  • مساعدات ومنح
  • بحسب الفئات التي تعنى بها (أيتام، بيئة، جندر، تربية...)
  • الموازنة ككل (إذا كانت المنظمة تعني بالسياسة العامة...)
 
2pure Website